المقريزي

320

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وبعث به وفي نفسه حزازة من أخذه منه ، وخدم البدوية وخدم جميع من يلوذ بها ، حتى قالت : هذا الرجل أخجلنا بكثرة هداياه وتحفه ، ولم يكلفنا قط أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا ، فلما بلغه ذلك عنها قال : ما لي حاجة بعد الدعاء للّه تعالى بحفظ مكانها وطول حياتها ، غير ردّ الجرن الذي أخذ من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمهم إلى مكانه ، فلما سمعت هذا عنه تعجبت منه وأمرت بردّ الجرن إليه ، فقيل له قد وصلت إلى حدّ أن خيرتك البدوية في جميع المطالب ، فنزلت همتك إلى قطعة حجر . فقال : أنا أعرف بنفسي ، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الجرن من مكانه ، وقد بلغها اللّه أملها ، وبقيت البدوية متعلقة الخاطر بابن عمّ لها ربيت معه يعرف بابن ميّاح ، فكتبت إليه وهي بقصر الخليفة الآمر : يا ابن ميّاح إليك المشتكى * مالك من بعدكم قد ملك كنت في حيى مرأ مطلقا * نائلا ما شئت منكم مدركا فأنا الآن بقصر مؤصد * لا أرى إلّا حبيسا ممسكا كم تثنينا بأغصان اللوا * حيث لا نخشى علينا دركا وتلاعبنا بر ملأت الحمى * حيثما شاء طليق سلكا فأجابها : بنت عمي والتي غذيتها * بالهوى حتّى علا واحتنكا بحت بالشكوى وعندي ضعفها * لو غدا ينفع منها المشتكى ما لك الأمر إليه يشتكى * هالك وهو الذي قد هلكا شأن داود غدا في عصرنا * مبديا بالتيه ما قد ملكا فبلغت الآمر فقال : لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع لرددتها إلى حيه وزوّجتها به . قال القرطبيّ وللناس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطور ، وكان من عرب طيء في عصر الخليفة الآمر طراد بن مهلهل ، فلما بلغه قضية الآمر مع العالية البدوية قال : ألا أبلغوا الآمر المصطفى * مقال طراد ونعم المقال قطعت الأليفين عن إلفة * بها سمر الحيّ بين الرجال كذا كان آباؤك الأقدمون * سألت فقل لي جواب السؤال فلما بلغ الآمر شعره قال : جواب السؤال قطع لسانه على فضوله ، وأمر بطلبه في أحياء العرب ففرّ ولم يقدر علي ، فقالت العرب : ما أخسر صفقة طراد ، باع أبيات الحيّ بثلاثة أبيات ، ولم يزل الآمر يتردّد إلى الهودج بالروضة للنزهة فيه ، إلى أن ركب من القصر بالقاهرة يريد الهودج في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، فلما